فخر الدين الرازي
84
تفسير الرازي
في الآية مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنه يمكن تفسير الآية بحيث يكون الوالدان والأقربون وراثاً ، ويمكن أيضا بحيث يكونان موروثا عنهما . أما الأول : فهو أن قوله : * ( ولكل جعلنا موالى مما ترك ) * أي : ولكل واحد جعلنا ورثة في تركته ، ثم كأنه قيل : ومن هؤلاء الورثة ؟ فقيل : هم الوالدان والأقربون ، وعلى هذا الوجه لا بد من الوقف عند قوله : * ( مما ترك ) * . وأما الثاني : ففيه وجهان : الأول : أن يكون الكلام على التقديم والتأخير ، والتقدير : ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون جعلنا موالى ، أي : ورثة و * ( جعلنا ) * في هذين الوجهين لا يتعدى إلى مفعولين ، لأن معنى * ( جعلنا ) * خلقنا . الثاني : أن يكون التقدير : ولكل قوم جعلناهم موالى نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، فقوله : * ( موالى ) * على هذا القول يكون صفة ، والموصوف يكون محذوفا ، والراجع إلى قوله : * ( ولكل ) * محذوفا ، والخبر وهو قوله : * ( نصيب ) * محذوف أيضا ، وعلى هذا التقدير يكون * ( جعلنا ) * معتديا إلى مفعولين ، والوجهان الأولان أولى ، لكثرة الاضمار في هذا الوجه . المسألة الثانية : لفظ مشترك بين معان : أحدها : المعتق ، لأنه ولى نعمته في عتقه ، ولذلك يسمى مولى النعمة . وثانيها : العبد المعتق ، لاتصال ولاية مولاه في إنعامه عليه ، وهذا كما يسمى الطالب غريما ، لأن له اللزوم والمطالبة بحقه ، ويسمى المطلوب غريما لكون الدين لازما له . وثالثها : الحليف لأن المحالف يلي أمره بعقد اليمين . ورابعها : ابن العم ، لأنه يليه بالنصرة للقرابة التي بينهما . وخامسها : المولى الولي لأنه يليه بالنصرة قال تعالى : * ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) * ( محمد : 11 ) وسادسها : العصبة ، وهو المراد به في هذه الآية لأنه لا يليق بهذه الآية إلا هذا المعنى ، ويؤكده ما روى أبو صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أولى بالمؤمنين من مات وترك مالا فماله للموالي العصبة ومن ترك كلا فأنا وليه " وقال عليه الصلاة والسلام : " اقسموا هذا المال فما أبقت السهام فلأولي عصبة ذكر " . ثم قال تعالى : * ( والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ عاصم وحمزة والكسائي : عقدت بغير ألف وبالتخفيف ، والباقون بالألف والتخفيف ، وعقدت : أضافت العقد إلى واحد ، والاختيار : عاقدت ، لدلالة المفاعلة على عقد الحلف من الفريقين .